ابن الأثير
280
الكامل في التاريخ
غازي ، ولقد سلك ابنه في قتله طريقا عجيبا يدلّ على مكر ودهاء . وسبب ذلك أنّ سنجر كان سئ السيرة مع الناس كلّهم من الرعيّة والجند والحريم والأولاد ، وبلغ « 1 » من قبح فعله مع أولاده أنّه سيّر ابنيه محمودا ومودودا إلى قلعة فرح من بلد الزّوزان ، وأخرج ابنه هذا إلى دار بالمدينة أسكنه فيها ، ووكّل به من يمنعه من الخروج . وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعيّة ، فكان يدخل إليه منها الحيات ، والعقارب ، وغيرهما من الحيوان المؤذي « 2 » ، ففي بعض الأيّام اصطاد حيّة وسيّرها في منديل إلى أبيه لعلّه يرقّ له ، فلم يعطف عليه ، فأعمل الحيلة حتّى نزل من الدار التي كان بها واختفى ، ووضع إنسانا كان يخدمه ، فخرج من الجزيرة وقصد الموصل ، وأظهر أنّه غازي بن سنجر ، فلمّا سمع نور الدين بقربة منها أرسل نفقة ، وثيابا ، وخيلا ، وأمره بالعود ، وقال : إنّ أباك يتجنّى لنا الذنوب التي لم نعملها ، ويقبّح ذكرنا ، فإذا صرت عندنا جعل ذلك ذريعة للشناعات والبشاعات [ 1 ] ، ونقع معه في صراع لا ينادى وليده ، فسار إلى الشام . وأمّا غازي بن سنجر فإنّه تسلّق إلى دار أبيه ، واختفى عند بعض سراريه ، وعلم به أكثر من بالدار ، فسترت « 3 » عليه بغضا لأبيه ، وتوقّعا للخلاص منه لشدّته عليهنّ ، فبقي كذلك ، وترك أبوه الطلب له ظنّا منه أنّه بالشام ، [ فاتّفق ] أنّ أباه ، في بعض الأيّام ، شرب الخمر بظاهر البلد مع ندمائه ، فكان يقترح على المغنّين أن يغنّوا في الفراق وما شاكل ذلك ، ويبكي ، ويظهر في قوله قرب الأجل ، ودنوّ الموت ، وزوال ما هو فيه ، فلم يزل
--> [ 1 ] - والشفاعات . ( 1 ) . والحريم والأموال وبلغ . B ( 2 ) . من الحيوانات المؤذية . B ( 3 ) . فسترن . B